اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

رمضان في صيدا بين العبادة والعادة: زينةٌ ومسحراتي وتكافلٌ اجتماعي

صيدا اون لاين

لم تمنع الأزمة ولا الاعتداءات الإسرائيلية حضور زينة رمضان في صيدا، حيث بقيت فوانيسها وهلالها مضاءة في الساحات والشوارع والمساجد، وامتدت للمرة الأولى إلى الأحياء الشعبية لتطرد عتمة الليل وشبح القلق.

والزينة التي رفعتها بلدية صيدا حينًا و "جمعية تجار صيدا وضواحيها" حينًا آخر، والجمعيات الأهلية والاجتماعية والمبادرات الفردية والجماعية ترحيبًا بشهر رمضان المبارك، تلاقت مع الصوم عند الطوائف المسيحية، فازدانت بعض القرى في شرق صيدا، ومثلت الهلالية نموذجًا مصغرًا عن لبنان بجناحيه المسلم والمسيحي والعيش المشترك والوحدة والحوار.

وتؤكد رئيسة لجنة الأشغال في بلدية الهلالية هنا أبو مرعي "أن زينة رمضان تنير شوارعنا، وتقرّب الناس من بعضها البعض، وتعكس روح المحبة والتكاتف في هذا الشهر الفضيل، وهذا هو دورنا كأعضاء مجلس بلدي"، موضحة "أن الزينة التي رفعتها البلدية تأتي احتفاءً بشهرٍ يحمل قيم التسامح والتكافل والتراحم، وتهدف إلى إدخال الفرح إلى قلوب الأهالي وتعزيز روح الألفة التي يتميّز بها المجتمع المحلي".

والزينة وأنوارها ليست وحدها التي تزين المدينة ومنطقتها، بل تمتد إلى الحفاظ على عباداتها وعاداتها وتقاليدها التي تبدأ بالصلاة والدعاء والتراويح وقيام الليل وليلة القدر، مرورًا بالحلويات الرمضانية والمشاطيح (خبز فرنجي) وشراب التمر والجلاب والقطايف والكلاج، ولا تنتهي بالمسحراتي الذي صمدت طبلته وصدى صوته في الأحياء الشعبية أمام الحداثة والإنترنت والتكنولوجيا ومنبهات الساعات.

في أحياء صيدا القديمة، يواصل محمود فناس مهنة التسحير التي ورثها عن والده محمد فناس، آخر أفراد الرعيل الأول من المسحراتية في لبنان، والذي رحل عام 2018. منذ ثماني سنوات يتولّى الابن  هذه المهمة بتكليف من دار الإفتاء، محافظًا على تقاليدها من دون أي تحديث، مؤمنًا بأن الناس تحبّ المسحراتي كما كان: يسير على قدميه بين الأزقة بزيّه التراثي، حاملًا الطبلة والسبحة والفانوس، بصوتٍ جهوري يوقظ النائمين للسحور ويردّد الأناشيد والتواشيح ويرفع الدعاء.

ويؤكد فناس أن التسحير بالنسبة إليه رسالة روحية ومهمة تطوعية تقرّبه من الله، فلا يتقاضى أجرًا لقاءها، وإن كان الأهالي يكرمونه في نهاية الشهر بحسب قدرتهم، رغم تأثير الضائقة المعيشية على حجم العطاء. ويرى أن رمضان فرصة لمراجعة النفس وصلة الناس ببعضهم، مستندًا إلى ما تعلّمه من والده من محبة الناس واحترامهم، ومحتفظًا بدفاتره التي تضم المدائح والأدعية التي كان يردّدها مسحّرًا.

ويباهي الصيداويون أن صيدا مدينة رمضانية بامتياز وينظمون الأنشطة المختلفة في رحابها. ويؤكد فناس أن شهر رمضان والمسحراتي توأمان لا ينفصلان، فطالما هناك شهر رمضان يبقى المسحراتي ملازمًا له مهما بلغت الحداثة، لأن جو رمضان لا يكتمل إلا بوجود المسحراتي... وسيبقى نجمه مضيئًا في ليالي رمضان يهلّ مع هلاله... ويغيب في آخر لياليه!
تكية الشرحبيل

ولا يكتمل وجهُ رمضان إلا بالخير والعطاء؛ ففيه يشعر الغنيُّ بجوع الفقير وضيق حاله، وتنهض الجمعيات والمؤسسات الأهلية والمدنية والكشفية، إلى جانب المبادرات الفردية والجماعية، لتوزيع الطرود الغذائية ووجبات الطعام الساخنة على المحتاجين والعائلات المتعففة، في أبهى صور التكافل الاجتماعي هو المعنى الذي يجعل من اللقمة رسالة، ومن العطاء كرامة، ومن اليد الممتدة شراكةً في المسؤولية لا منةً ولا فضلًا.

جمعية بقسطا للتنمية الاجتماعية واحدة من هؤلاء، إذ تواصل للسنة الثامنة على التوالي مشروعها الرمضاني الخيري "التكية الرمضانية" تحت شعار "من خيرك ساعد غيرك". المشروع يهدف إلى تقديم وجبات إفطار ساخنة يوميًا للصائمين والمحتاجين وعابري السبيل والأيتام، بدعم من أهل الخير في صيدا وبقسطا – الشرحبيل، ليصل دفء رمضان إلى موائد الفقراء ويخفف عنهم وطأة الأزمة الاقتصادية.

في ناصية الشرحبيل – بقسطا، يتجمع متطوعو الجمعية من شباب وشابات قبل الإفطار لتحضير أكثر من مائتي وجبة يوميًا في مطبخ مطعم زهرة الليمون بصيدا، تتضمن طبقًا رئيسيًا وشوربة وفتوش وربطة خبز، وفق إجراءات سلامة الغذاء. وتُوزع الوجبات مباشرة على العائلات المستحقة أو عبر وسطاء الخير لتصل إلى منازلهم، ليعيشوا لحظة الإفطار بكرامة وسط ظروف معيشية صعبة.

وتقول رئيسة اللجنة النسائية في الجمعية رشا استيتيه حجازي إن المشروع مستوحى من التكية الخليلية وفكرة التكية العثمانية كمكان للراحة وتقديم الطعام، مشيرة إلى أن الحاجة لا تتوقف عند رمضان فقط، لكن استمرار المشروع يعتمد على دعم أهل الخير وجهود المتطوعين. ومع توسع نطاق التوزيع ليشمل مناطق فقيرة متنوعة في صيدا وبقسطا، تظل "التكية الرمضانية" رمزًا للتضامن والإنسانية في قلب الأزمة.

تم نسخ الرابط