اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

الصحفي محمد الزعتري... شاهد على وجع الوطن وناقل لنبض الناس

صيدا اون لاين

عدسة لا تخون الوجع: سيرة الضوء في زمن العتمة

في تلك المدينة التي يلفها عبق البحر ويُظلها تاريخٌ لا يخفت صداه، نشأ محمد الزعتري كما تنشأ الشجرة في تربة تعرف العطش وتُصرّ على الإثمار. في صيدا، التي لا تتحدث إلا بلغة الكرامة، بدأ الرجل رحلته، لا كهاوٍ يلاحق الضوء، بل كمن وعى منذ البدء أن الصورة ليست ترفًا، بل شهادة تُقدّم للزمن حين تتواطأ الروايات.

لم يخطر في باله أن يدوّن تاريخًا، لكن الكاميرا التي حملها منذ الثمانينيات لم تكن سوى امتدادٍ لحسٍّ مرهف لا يحتمل الغبن ولا يسهو عن التفاصيل. سلك درب التصوير الصحفي في وقتٍ كانت البلاد تمور بالأحداث، والقلوب بالأسئلة، فانطلقت عدسته تسجّل لا ما يُرى فحسب، بل ما يُحسّ ولا يُقال.

عين لا تغمض: محمد الزعتري ومسيرة الوفاء للصورة والحقيقة

محمد الزعتري، الذي ظلّ لعقود مرافقًا للخبر من مهده حتى صداه، عرف جيدًا أن الخطوط الأمامية لا ترحم، وأن الوقوف بين الرصيف والنار يقتضي شجاعة لا تُشترى. ما ارتضى لنفسه موقع المتفرّج من بعيد، بل كان شاهدًا ميدانيًا، دخل الأزقة حين فرّ منها الآخرون، وسجّل الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب كما يكتب الموج على الرمل حكايته الأزلية مع الريح.

في تلك المرحلة التي كانت فيها البلاد تئنّ تحت وطأة التحوّلات، وتتكشّف فيها الحقائق بصعوبة كمن ينقّب عن الضوء في غرفة مظلمة، بلغ محمد الزعتري إحدى محطاته الكبرى، حين أصبح في مطلع التسعينيات مصورًا صحفيًا معتمدًا لدى وكالة "أسوشيتد برس". لم تكن هذه المحطة ثمرة مصادفة عابرة، بل نتيجة سعي طويل، ومراس شاق، وإيمان عميق بأن العدسة، إذا صلحت يدها وصفت نيتها، فإنها تكتب للتاريخ ما يعجز عن تثبيته الحبر.

تلك اللحظة لم تكن بدايةً جديدة بقدر ما كانت اعترافًا بمسيرة بدأت قبلها بسنوات، مسيرة رجلٍ حمل الكاميرا لا ليلتقط بها الصور فقط، بل ليروي بها ما خفي عن العين واحتجب عن الضمير. ومنذ ذاك الحين، استمر الزعتري يسير على خطّ النار، لا يهاب تقلبات السياسة، ولا يتردد أمام ارتباك الميدان. كان حضوره في الأحداث ضرورة لا رفاهية، ودوره أشبه بشاهد عدل في محكمة لا تنعقد إلا على عجل.

وفي جريدة "ديلي ستار"، التي عايشها لأكثر من عشرين عامًا، ما كان اسمه يومًا مجرّد توقيع في زاوية، بل روحًا تجري في عروق الصحيفة، وتمنح تقاريرها صدق الميدان. لم يُعنَ بإحصاء ما أرسله من أخبار، ولا عدد المرات التي سبق فيها الحدث، بل كان همّه أن لا يُسقط من المشهد إنسانًا، أو تفصيلاً، أو نبرة وجع.

وحين توقفت الصحيفة عن طبع حروفها عام 2020، لم يتوقف هو. تابع رسالته عبر المنصة الرقمية حتى حين، كأن الخبر في غيابه يفقد توازنه، وكأن الصور من بعده تفقد قدرتها على البوح. وهو ما زال، كما عرفه الزمن، ثابتًا في موقعه، حيث تختبر الكلمة صدقها، وتُولد الصورة من رحم الخطر.

كان يعرف أن ميدان الصحافة ليس حديقة للمتنزهين، بل ساحة يختلط فيها الصراخ بالصمت، وتتحول فيها اللحظة إلى شهادة. لم يتراجع عن ذلك، بل مضى، مدفوعًا بإرثٍ من الانتماء، وبإصرارٍ من يعرف أن من رأى ولم ينقل، كمن خان الأمانة.

في قلب العاصفة: محمد الزعتري وشهادة العين التي لا تنكسر

في زمنٍ كانت فيه الأرض تهتز تحت أقدام أهلها، وكان الغموض يخيّم على المصير، قرر محمد الزعتري أن لا يقف عند حدود الترقب، ولا يكتفي بما ترويه الروايات من بعيد. اختار أن يكون في قلب الحدث لا على هامشه، يسير حيث يسير الخطر، لا حبًا في المغامرة، بل إيمانًا بأن الحقيقة لا تُلتقط من وراء الزجاج.

منذ أن اشتد أوار العدوان على جنوب لبنان، قبل أن تُكتب صفحة التحرير، مرورًا بلحظاتها المصيرية، وحتى ما تلاها من تحديات وأوجاع، لم يُفلت الزعتري الخيط، ولم يغادر الميدان. كان هناك دائمًا، حاملاً عدسته لا كأداة مهنة، بل كامتداد لضميرٍ لا يساوم، يشهد على ما يُرتكب، ويوثق ما تخشاه الألسنة من البوح.

في تلك الأوقات التي ترتبك فيها الروايات، ويغيب المنطق أمام هول القصف أو صمت الخراب، كان محمد الزعتري حارسًا للرؤية الصادقة، يسير بثقة من اعتاد أن يضع نفسه حيث لا يجرؤ كثيرون، في مواجهة الحدث، لا خلفه. الخوف ما اعترض طريقه يومًا، ولا كان التردد من طباعه أو ضمن مفرداته. كان يعرف أن من يملك القدرة على الشهادة، لا يملك رفاهية الصمت.

انتماء بالصورة: حضور محمد الزعتري في ضمير المهنة وميثاقها

انتمى محمد الزعتري إلى نقابة المصورين الصحفيين اللبنانيين، لا كإجراء إداري يقتضيه العمل، بل كمن يجد في هذا الانتماء امتدادًا طبيعيًا لمسيرته، واعترافًا بمكانته بين من حملوا الكاميرا لا لمجرد التصوير، بل لتسجيل نبض الواقع كما هو، بلا تزييف ولا تزويق.
في هذه العضوية، كما في كل ما مضى من مسيرته، ثبت على وفائه لما يعتقد، متمسكًا بمسؤولية الكلمة المصورة، حريصًا على أن يكون لحضوره المهني إطار قانوني يليق بما مثّله من صدق ومثابرة واحترام للمهنة وأخلاقياتها.

اعتراف العدسة: حين تحوّلت الصورة إلى وثيقة عالمية

بقي محمد الزعتري بمنأى عن انتظار التكريم، إذ كان على يقين بقيمة ما يصنع، مدركًا أن للصورة وزنًا خاصًّا، وأن في بعض اللقطات ما يعادل مجلدات من الكلام. ومع ذلك، جاءت التكريمات تتوالى، لا لتضيف إلى مسيرته ما يثبتها، بل لتُعلن أمام العالم أن ما التقطه من مشاهد لم يمر مرورًا عابرًا، بل كان حدثًا في حد ذاته.

من بين الجوائز التي نالها عن استحقاق وجهد متراكم، برزت جائزة "إيمي" العالمية لفئة الأخبار عام 2007، التي منحته موقعًا متقدّمًا بين مصوري العالم، بعدما التقط صورة لم تكن مجرد مشهد للحرب، بل شهادة بصرية على محطة فارقة من العدوان على لبنان.  في الرابع عشر من تموز، أثناء عدوان تموز، التقط تلك الصورة لجسر الزهراني عند استهدافه من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي، فجاءت اللقطة لا كتوثيق تقني، بل كصرخة مضمّنة في إطار.

وقد رأت فيها لجان التحكيم ما تجاوز حدود الخبر إلى حدود الذاكرة الإنسانية، فاختيرت ضمن أفضل عشرين صورة صحفية عالميًا في ذلك العام. كان ذلك المشهد، بكل ما فيه من نار ودخان، يسكن في عدسة رجل عرف كيف يقرأ المأساة دون أن يفقد صفاء الرؤية، وكيف يصنع من الألم لغة تصل إلى من لا يفهم لغتنا، لكنها تهز ضميره.

ثمن الصورة: محمد الزعتري بين الألم والواجب

منذ البداية، اختار محمد الزعتري طريقًا وعرًا، تحفه المخاطر التي لا يعرفها إلا من جرّب أن يكون على تماسّ مباشر مع دويّ الانفجار أو وميض الرصاص. ففي كل مرة حمل فيها كاميراه إلى موقع حدث، كان يدرك تمامًا أنه لا يذهب في نزهة، بل يقترب من منطقة لا تتساهل مع من يقترب منها كثيرًا.

أُصيب أكثر من مرة، وسالت دماؤه في أماكن لم تكن تميّز بين مدني ومحترف، لكن تلك الجراح لم تكن حاجزًا يثنيه، بل ظلت دليلًا على صدقه، وعلى أن من يختار أن يكون شاهدًا لا يُمنح ترف الانسحاب. ما سعى إلى بطولة، ولا التمس ضوءًا، بل حمل همًّا أكبر من جسده، وأثقل من أي حساب شخصي.

ولأن الصدق لا يخفى، تقدّمت صوره الصفحات الأولى في الصحف المحلية والعربية والعالمية، لا لجرأتها وحدها، بل لما حملته من معانٍ أبعد من المشهد، من صدى الوطن الجريح، ومن ملامح الذين صمدوا رغم كل ما حلّ بهم. كانت صوره بمثابة أرشيف للوجدان، أرشيف لا يصفرّ مع الوقت، بل يحتفظ بوهجه كلما مرّت عليه العين أو هزّ القلب ذكرى.

الظلّ الصامت: محمد الزعتري وصوت الذين لا يُسمعون

رغم مشقّات الطريق، وما خلّفته السنوات من ندوب لا تُرى، بقي محمد الزعتري وفيًّا لوجهته الأولى: الناس. لم تفسده التجربة، ولم تعزله الشهرة ولا المهنة عن أولئك الذين يمشون بخطى مثقلة في أزقة الحياة اليومية. كان حريصًا على أن يسمع أنينهم حتى حين يصمت، وأن ينقل حاجاتهم وآمالهم ولو لم يطلبوها.

كان قريبًا منهم لا بمرآة المراقبة، بل بحرارة الانتماء. يعرف أماكن وجعهم، ويقف حيث يلتقي التعب بالفقر، ليمنح الصورة حقها في أن تروي ما تعذّر على الكلمة. كانت الصلة بينه وبينهم مفتوحة بلا حواجز. كانت معرفة عميقة بأنّ كثيرين لا يُعطَوْن حق البوح، ولا يجدون من يصغي لوجعهم العادي الذي لا يتصدّر العناوين.

أما وجعه الشخصي، فقد بقي طيّ الصمت، يخبئه بين أضلعه كما يُخفى الجمر في رماد الحياء. لم يعرف طريقه إلى طلب العطف، بل اختار أن يمضي بصمت، كما يفعل من تعلّم أن وجع الآخرين أولى من وجعه، وأن الشكوى لا تليق بمن اعتاد أن يحمل عن الناس أثقالهم.

عين الذاكرة: محمد الزعتري وحصاد الأيام الصاخبة

في حياة محمد الزعتري، ما انساب الزمن في حضرته إلا واصطاد منه ما يرويه، ولا عبر المشهد أمامه إلا وترك فيه أثرًا يقظًا لا يغفو في الذاكرة. كان دأبه أن يترصّد الزمن وهو يتقلّب بين فواجع وأحلام، بين هدوء موهوم وانفجار مفاجئ. لم يأتِ إلى الميدان بوصفه مجرّد محترف يؤدي واجبًا، بل بروحٍ تعي أن للصورة رسالة، وأن كل مشهد قد يحمل في طياته ما يكفي لردّ ظلمٍ أو فضح حقيقة طُمست.

بحدسٍ فريد، كان ينتقي مواضع عدسته لا من باب الصدفة، بل من يقين بأن بعض اللقطات لا تتكرر، وأن بعض الوقائع لا تجد من يحفظها إلا مَن عاهد نفسه على الوفاء للحقيقة. في تفاصيل الحياة اليومية، كما في اشتباكات السياسة والحرب، ظلّ الزعتري ذلك المراقب الملتصق بالناس، الحاضر في النبض، الجامع في صورته بين الخبر والموقف.

ما اصطفّ يومًا على هامش الحدث يلتقط الصور ببرود؛ كان يعود منها محمّلًا بما يشهد له به الخصوم قبل الأصدقاء: أنه لم يُفرّط يومًا في الدفاع عن قضايا الإنسان، ولم يغفل عن واجبه تجاه الوطن، مهما ارتفع الثمن.

الوجه المضيء: محمد الزعتري كما عرفه الناس

ما إن تراه حتى تشعر بأنك أمام رجلٍ يألفه القلب قبل العين، رجلٌ يحمل في حضوره طمأنينة لا تُفسّر، وينثر في من حوله دفئًا لا يُشترى. كان محمد الزعتري، كلما مرّ بين الناس، يحضر في وجدانهم قبل أن يغيب عن أنظارهم، ويترك في وجوههم فسحة من البهجة، وفي قلوبهم شيئًا من الامتنان، لا بقولٍ معسول، بل بفعلٍ يصدر عن طبعٍ كريم، لا عن تكلّف.

بروحه التي لا تعرف التجهّم، وبابتسامته التي تسبق كلماته، كان قريبًا من الجميع، حاضرًا أينما احتاجه أحد، ومبادرًا دون أن يُطلب. لم يرَ في العطاء منّة، ولا في المساعدة عبئًا، بل كان يرى في ذلك صورة من صور الوفاء لما نشأ عليه، كواحد من أبناء هذا البلد الذين لا يتخلّون عن بعضهم مهما اشتدّ الضيق.

في ملامحه ما يدلّ على صدق النية، وفي سلوكه ما يُشعرك بأنك في كنف رجلٍ نشأ على نصرة الحق، لأن ذلك ما تمليه عليه ذاته التي لم تتغيّر رغم كل ما رآه وواجهه.

الرسالة التي لم تنتهِ

في سيرة محمد الزعتري، لا نبلغ خاتمة بالمعنى المألوف، لأن ما زرعه في الذاكرة لا يزال حيًّا، يثمر في كل من قرأ صورةً أو تتبّع خبرًا أو لمس صدقًا في عدسة لا تعرف المجاملة. لم تكن رحلته في المهنة مجرّد توثيق لوقائع، بل كانت مسارًا طويلًا من الإخلاص لفكرة أن الحقيقة لا تُؤخذ إلا ممن وقف في وجهها عاريًا من الأوهام، مسلّحًا بالصدق وحده.

كانت أفعاله تتقدّم صوته، وصوره تُحدّث عن نفسها بلا تعليق. حمل شرف المهنة كواجب أخلاقي، وخرج بها من حدود الورق إلى مساحة من الكرامة التي لا تتهاوى تحت ضغط المصالح ولا تذوب في الحسابات.

محمد الزعتري ليس اسمًا هامشيًا في سجلّ الصحافة، بل أحد أولئك الذين علّمونا أن الكاميرا لا تُرفع عبثًا، وأن الصورة قد تكون، حين تصدر من قلبٍ نقيّ، أقرب إلى العدل من ألف كلمة. ولأنه كذلك، لن يُذكر اسمه مقرونًا بوظيفة، بل بفضيلة: فضيلة من وقف حيث يجب، ونقل ما لا يجب أن يُنسى.

في نهاية المطاف، يبقى محمد الزعتري ذلك الصديق الخفيّ للحقائق، والرفيق الصامت للوجع العام، والمواطن الذي لم يتخلّ عن مسؤوليته تجاه الناس، لا يومًا، ولا مشهدًا، ولا موقفًا.

تم نسخ الرابط