الصفحة الرئيسية / اعرب ما يلي / من يريد "ضبضبة" فضيحة سجن رومية: من يحمي مافيا التعهدات؟

من يريد "ضبضبة" فضيحة سجن رومية: من يحمي مافيا التعهدات؟
2013-07-29
أرسل الخبر


محمد نزال / الأخبار
ثمّة من يريد "ضبضبة" فضيحة سجن رومية. إنه مشهد لبناني تقليدي. فضائح جديدة تكشّفت في قضية الـ9 ملايين دولار. المتعهد شريك الضابط الذي وضع الدراسة! عوقب الضابط "مسلكياً". أمّا المتعهد فله الشركات الوهمية التي لا يريد أن يحقق أحد فيها. ماذا عن الخلاف بين وزارتي الداخلية والأشغال؟ وكيف سيتابع القضاء هذا الملف؟

أين أصبحت فضيحة سجن رومية الأخيرة؟ ما مصير الـ9 ملايين دولار؟ هل سيُقّيد إهدارها تحت اسم "مجهول" كما درجت العادة اللبنانية؟ النيابة العامة المالية وضعت يدها على القضية. ديوان المحاسبة باشر تحقيقاته. وزيرا الداخلية والأشغال أدليا برأيهما. كل هذا الضجيج، في الظاهر، يوحي بأن "الفاسد" سوف يُقبض عليه ويُحاسب.

لكن، في الواقع، تفيد مصادر رفيعة متابعة أن القضية "ستنام في الأدراج، إذ ثمة مرجعيات كبرى تريد تسويتها حبّياً، بعيداً عن القضاء، أي بمعنى آخر ضبضبتها تحاشياً لمزيد من الفضائح المتصلة". إلى ذلك، أكّدت المصادر نفسها لـ"الأخبار" أن المسؤول عن وضع الدراسة، وهو ضابط في مكتب الأبنية التابع لقوى الأمن الداخلي، عوقب مسلكياً بنقله من المكتب المذكور. حصل ذلك بقرار مباشر من وزير الداخلية مروان شربل. القانون لا يخول الوزير حق معاقبة الضابط بأكثر من العقوبة المسلكية، أما العقوبة الجنائية فهي بيد القضاء الذي يتوقع البعض عدم سيره في القضية حتى النهاية.

"مافيا" المتعهد والأبنية
هذا من جانب واضع الدراسة التي تذرع بها المتعهد، مؤكداً التزامه بها كما هي. هي الدراسة التي تذرع بها وزير الأشغال غازي العريضي أيضاً، متنصلاً من أي مسؤولية، علماً بأن لوزارته دوراً إشرافياً لا يمكن القفز عنه. العقد ينص على وجود مهندسين اثنين من وزارة الاشغال في مشروع ترميم السجن. كل هذا التذرع والتنصل سيتبخّر، عندما يعلم المعنيون أن "المافيا" التي حكمت هذا المشروع أصبحت مكشوفة، وأن تفاصيلها ليس بعيدة عن القضاء إن أراد ذلك. في هذا الإطار، علمت "الأخبار" أن لدى المتعهد "شركتين وهميتين، بغير اسمه، وهو نفسه الذي يأخذ أكثر المشاريع العائدة لقوى الأمن الداخلي، عبر مكتب الأبنية تحديداً، وهذا بحدّ ذاته مادة كافية لإثارة الشبهة". أكثر من ذلك، تبيّن أن الضابط المسؤول في مكتب الأبنية، الذي عوقب أخيراً بنقله من مركزه، لديه أسهم خاصة في إحدى شركات المتعهد! هكذا إذاً، نحن أمام «طبخة» فساد كاملة المقادير، بسيناريو تقليدي في لبنان، لكن الفارق هذه المرة أن "اللحم المأكول" هو السجناء. أضعف شريحة في العقد الاجتماعي، إذ لا صوت لها ولا اعتبار، وبالتالي لا بأس إن استمروا في العيش في مكان "لا يليق بالبهائم" (عبارة الوزير مروان شربل الشهيرة).

وفي سياق متصل، حاول وزير الأشغال غازي العريضي تبرئة العاملين في وزارته، تحديداً المهندسين المعنيين، قائلاً: "الكلام الذي قيل عن أن موظفي الوزارة لم يحضروا الى موقع الاعمال ولو مرة واحدة هو غير صحيح، والأجوبة واردة في التقرير... المشكلة في سجن رومية هي بكل الروائح الكريهة في الدولة اللبنانية". صدق العريضي، هي الروائح الكريهة، التي لا تستثني وزارته. فبحسب التقرير الذي اطّلعت "الأخبار" عليه، فإن المهندسين لم يقصدا السجن سوى 3 مرات خلال 9 أشهر، أي بمعدل مرة واحدة كل 3 أشهر، وهذا بحد ذاته مخالف لنص العقد. فالاتفاق، بحسب العقد، كان يقضي بأن يزورا السجن مرة واحدة كل أسبوع. هذا برسم العريضي، والقضاء بالتأكيد، من قبله ومن بعده.

بين شربل والعريضي
إلى ذلك، أكد الوزير شربل أن القضية انتهت من عنده، قائلاً: "أرسلت كتاباً إلى رئيس الحكومة بكل المعطيات التي عندي، وطلبت منه، ومن الحكومة كلها، عدم دفع ليرة واحدة للمتعهد قبل أن نتسلم السجن بالمواصفات التي نريدها، المواصفات التي تراعي حقوق السجناء الإنسانية. ما أفهمه أني لن أتسلّم المشروع إلا وهو نظيف، هذا ما أتعهد به ما دمت أنا في الوزارة". يتوجه شربل إلى زميله العريضي، شاكراً جهوده، لكن في المقابل "أتمنى عليه عدم الدفاع عن المتعهد، يمكنه أن يدقق في الأمر وستتبين له الحقائق، هو يعلم وأنا أعلم. أنا لم أغطّ من هم ضمن مسؤوليتي، عاقبتهم بحسب ما يتيح لي القانون، وقد أسمعتهم كلاماً قاسياً... أتمنى أن يفعل الباقون الأمر نفسه". إذاً، نحن أمام وزيرين، أسلوبين، وإن شئت عقلين مختلفين في إدارة الأمور. العريضي منمّق في حديثه و"يحبكها جيداً". أما شربل فـ"على طبيعته ويقولها بعفوية". هكذا هو المشهد من الخارج. بالتأكيد السجناء هذا آخر ما يعنيهم، وجعهم الآن في مبنى أفرغ منهم لترميمه، على أساس عودتهم بعد فترة وجيزة، وهم الآن يتكسدون بعضهم فوق بعض في المباني الأخرى في سجن رومية.

يُذكر أن كلام العريضي الأخير، الذي رفض فيه تحمّل أي مسؤولية، كان في حضور المدير العام لقوى الامن الداخلي بالوكالة العميد إبراهيم بصبوص، إضافة الى الضباط المعنيين بملف سجن رومية المركزي. اللافت أن العريضي حاول الإيحاء بأن ما قاله متفق عليه مع الضباط، لتعود المديرية العامة لقوى الامن الداخلي وتصدر بياناً، تؤكد فيه أن ما أدلى به العريضي "يعبّر عن وجهة نظره وقناعاته ولا يعكس رأي المؤسسة".

النيابة العامة المالية
بعد الإعلان عن فضيحة "الفساد" في سجن رومية، تحرّكت النيابة العامة المالية برئاسة القاضي علي إبراهيم، بناءً على طلب وزير العدل شكيب قرطباوي. قصد القاضي السجن، وجال بنفسه على المبنى "د" (المبنى المتعهد). مصادر مواكبة لزيارة إبراهيم أكدت أن ما شوهد لم يكن مختلفاً عمّا شاهده وزير الداخلية من قبل في زيارته. فالوضع هناك "غير سليم من الأساس، ولكن لا يمكن الحسم الآن، لا بد لنا من انتظار الانتهاء من التحقيق". اللافت أن النيابة العامة، لزوم التحقيقات، تحتاج إلى "دفتر الشروط" الذي بني المشروع على أساسه، وهذا بعهدة وزارة الأشغال. راسل القاضي الوزارة، طالباً منها الأوراق المذكورة، إلا أن تلك الأوراق لم تصله بعد. السؤال الآن، في أي اتجاه ستذهب التحقيقات؟ الجواب مبهم ولا تجد من يقدّم، من بين كل المسؤولين، جواباً شافياً عنه.

لن يكون غريباً أن يتلقّى القضاة في النيابة العامة المالية اتصالات من جهات سياسية رفيعة، تطلب منهم «حفظ الملف». هذا الأمر لم يعد مجرّد توجّس، أو خوف من عادة مألوفة في لبنان، في ظل الحديث عن مصارحة بعض المسؤولين بضرورة إقفال الملف. هؤلاء يعلمون، ربما، أن ملفاتهم وقضاياهم كلها مرتبطة بعضها ببعض. يخشون أن يسقط حجر "الدومينو" الأول، فتكرّ حجارة فضائحهم، التي ليس ما حصل في سجن رومية سوى أبسطها وأقلها فداحة.

يحصل هذا كله، وفي سجن رومية اليوم سجين اسمه إبراهيم البزال، لا يعنيه كل هذا الفساد والهراء. لا يفهم سبب "رميه" خلف القضبان، لأكثر من 5 سنوات، من دون صدور أي حكم في حقه بعد. لقد خاطب وزير العدل مرة، وقبله القضاة، في السر والعلن، ولكن من دون نتيجة. ربما أنهى المدى الافتراضي لعقوبته! المشهد يقول: إبراهيم يجب أن يكون خارج السجن... وكثيرون ممن هم في الخارج يجب سجنهم.