الصفحة الرئيسية / اعرب ما يلي / «حقّو رصاصة»... عطيني إسمو... و«الباقي تركو عليّي»

«حقّو رصاصة»... عطيني إسمو... و«الباقي تركو عليّي»
2013-07-29
أرسل الخبر


ناتالي اقليموس / الجمهورية
«حقّك رصاصة»... نتيجة محسومة، غالباً ما يصل إليها «زعماء الأحياء»، بعد نقاش لا يتجاوز الدقيقة، ولا يتعدّى الأسئلة الثلاثة: «مين مفكّر حالك؟ شو عندك؟ مين معك؟» سريعو البديهة، قليلو الكلام، مندفعو الحركة... هكذا ترسّخت صورهم في محيطهم، وانطبعت في أذهان كل من ذاق «لوعة كفوفهم، وجُرح رصاصاتهم». أمّا في نظرهم... «نحن حرّاس الهيكل، والكرامة لا تتحمل «العد للعشرة ».

"إسمك ناتالي؟... فيي أعملك فاطمة، زينا أو أي شخصية بتختاريا". من هنا بدأ الحديث مع عبدالله، أحد "قبضايات" طرابلس الذين "بينحلف وحياتن" بشهادة من يستفيد من خدماته، نظراً إلى أنّ "إيدو طايلة... ولا شي بيكعا عليه". فهو إذا أراد، يعفي نفسه من دفع الضرائب، ورسم الإيجار، وقد يستحصل على ورقة رسمية تفيد بأنّ ابنته عزباء في حين أنها متأهلة، وغيرها من القضايا التي قد يرتئي بأنها تسهّل أموره الحياتية.

دولة... «البرطيل»

"نحن مع القانون"، "نحن ضد الزعرنات"، "نحن نكره المشاكل"... عبارات كحبّات السبحة "تكرج" على لسان عبدالله، ولوهلة يذكّرنا بالمدينة الفاضلة، لولا أنه سرعان ما يستدرك موقفه بعبارة: "... بس الدولة على "ناس وناس"، "دولتنا تعيش من البرطيل، دولة لا تعرف الحق، لذا أرفض التخلّي عن السلاح، فمن يضمن أمني الذاتي؟".

في وقت يستقوي المحيطون بتعزيزات "عبدالله" الأمنية، وبالأشخاص الذين يلبّون تعليماته لقطع شارع هنا، وإحراق دواليب هناك، يوضح عبدالله: "ربما أرضعتني والدتي خرطوشاً عوضاً من الحليب، أو أنّ أوضاع الحرمان التي ترعرعنا فيها زادتنا قوة وشراسة، لذا فقدت ثقتي بهذه الدولة، ولا أريد لأولادي عيش المعاناة عينها".

بلد أم مسلخ؟

لا يعتبر عبدالله نفسه "هاوي مشاكل"، ولكن "كلّو... ولا الكرامة!!"، فهي خط أحمر، يُمنع على أي أحد المساس به. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ للكرامة مفهوماً واسعاً وشاملاً في قاموس "عبدالله"، ما يوسّع معها دائرة خلافاته، فسرعان ما "يركب المشكل"، وينطلق رش الرصاص، إلى حدّ قد يكون الموت نصيب الجاني، خصوصاً وأنه "من ينظر إلينا بعين الغدر فمصيره الموت" على حدّ تعبيره.

"هل تحمل رخصة حمل سلاح؟" سؤال أضحك عبدالله طويلاً، قبل أن يجيب ساخراً: "شخصياً أحافظ على أمني وأحمي نفسي بطريقتي، بعدما بات جسدي أشبه بخريطة مليئة بالتعرّجات ومقرّاً للرصاص". ويغوص في صمت عميق، قبل أن يتابع قائلاً: "كنا أربعة عشر شقيقاً وشقيقة، واليوم أصبحنا خمسة، فهل كان بيد القتلة رخصة حمل سلاح قبل النيل منا؟! المؤسف أننا نعيش في زمن المسلخ... من وين بدّك لقطّعلك".

يؤكّد عبدالله أنه لم يشعر يوماً بوخز ضميره ولا يستغرب مشهد تنقّله مسلّحاً، فيقول: "في وقت تتلكّأ الدولة في حماية أبنائها، وأعني من هم في المؤسسة العسكرية، كيف لنا ان نثق بحمايتها لنا ورعايتنا؟"، "أكيد مش معبّرتنا". وبنبرة غاضبة ينهي حديثه قائلاً: "من قتل الشهيد رفيق الحريري؟ وماذا عن قاتل الطيّار سامر حنا؟ ومن نال من رئيس فرع المعلومات الشهيد وسام الحسن؟" فهل المطلوب أن نموت واقفين؟".

شو وقفت عليّي؟

"ألو، أبو علي في مشكل وينك؟". ما أن تنتهي المكالمة الهاتفية حتى يكون "أبو علي" أوّل الواصلين إلى موقع الحدث طالباً إسم الجاني و"الباقي تركو عليي" على حدّ تعبيره، غير آبه إن كان معه عديد أو عتاد، ففي نظره "القبضايات معدودين". منهم من نالوا نصيبهم ممّا توافر من كرسي أو طاولة، وآخرون تحطمت ضلوعهم، ومَن تمادى وتباهى في هجومه باغتته رصاصة في مكان "إستراتيجي" يحدّده مزاج أبو علي، الذي يؤكد ان "ليس المقصود قتله إنما معاقبته، فالأمن الذاتي مش مزحة".

لا يعمل أبو علي في مجال الـ "delivery" أبداً، بل في الحراسة الليلية، وتعهّد على نفسه منذ أكثر من 40 عاماً أخذ الحقّ بيده، كونه يصعب عليه رؤية "مظلوم"، فيقول: "كف، ضربة، ركلة، رصاصة، لا أعتقد أنّ ذلك يخلّ بالسلم الأهلي... شو وقفت عليّي؟" أمّا إذا ذكّرته بوجود قوانين وعدالة ومحاكم، فيجيب ساخراً: "ويني الدولة، أصلاً مين شايفا؟... لتستفيق حيا وفرج".

يُعرف أبو علي بين أصحابه في منطقة الشيّاح بـ "الرامبو" نظراً إلى سوابقه. لقب إكتسبه، وهالة كوّنها، ليس فقط بعرق جبينه، "إنما بدم قلبه"، على حدّ تعبيره. فمنذ أيام المراهقة "بكلّ عرس إلو قرص"، حتى بات يُحسب له ألف حساب.

فيُخبر وهو يحتسي قهوته الصباحية: "باكراً علّمتني الحياة أنّ القلب "الطيّب ما بينفع"، لذا دفنته وما فيه من مشاعر وعواطف منذ ان تركت منزل العائلة وأنا في السابعة عشرة من عمري. تنقلت بين الروشة وعين المريسة، تأثرت بالأجواء والمعارك الدائرة، واكتشفت انّ "القبضاي المزبوط" من يفرض هيبته وشخصيته على الآخرين، ويؤمّن أمنه الذاتي".

أقتل نفسي قبل أن...

لا يدخل أبو علي في خلاف ما لم يكن "حرزاناً"، فيتنهّد مستذكراً رنّة صفعته كم أرهبت نفوساً، قائلاً: "بصراحة تختلف معاملتي حيال من يهدّد أمني وسلامتي، أوّلاً أقيسه، إن كان يستأهل ضربة كفّي، فمنهم من تكفيهم كلمتان لاذعتان، أمّا آخرون فأجد لذة في مناكفتهم، لذا قد "أشتري المشكل" إن لزم الأمر".

يحرص أبو علي ليس فقط على الإهتمام بأمنه الذاتي، إنما أمن المحيطين به أيضاً، فيُخبر: إرتبطت بثماني نساء ولي سبعة أولاد، إلّا انني فضّلت الإبتعاد وحراستهم عن بُعد، لأنّ الحبّ كالمخدّرات يلهيني ويحدّ من طاقتي، فلا يعود بوسعي الإنتقام من كلّ مَن "نمّر، لطّش، أو نغَّم أو غبّر على كرامتي وكرامة المحيطين بي".

يجد أبو علي نفسه "قنوعاً" مقارنة مع غيره من "القبضايات"، موضحاً: "فعلياً لا أتسلّح، فقط سكّينة مسنونة تلازم خصري، كما أحمل مسدسين الأول أخفيه بمحاذاة معدتي، والثاني في أسفل سلسلة ظهري، أستنجد بها إذا كان خصمي مسلّحاً". لا ينكر أبو علي أنه قد يعمد إلى القتل دفاعاً عن أمنه، وعن أمن كلّ من يطلب مساعدته، ولكن آخر ما يمكن أن يقوم به هو تسليم نفسه، فيقول: "أقتل نفسي قبل أن تفكر الدولة في القبض عليّ".

... حفر قبره بيده

"مسَحَا بهالدقن"... "ماشي الحال، ومش بيناتنا"، وغيرها من العبارات التي لم يعد لها مكان في قاموس حياة الزغرتاوي بول (28 عاماً)، معتمداً سياسة "إمّا قاتل أو مقتول"، ليس لأنه فوق القانون، "إنما لإقتناعه بأنّ التهذيب لا ينفع".

رغم الأشهر التي قضاها في السجن، ومذكّرات التوقيف بحقه، إلّا أنّ حماسته لم تخفت، لا بل زاد شجاعة وإصراراً على النيل من كل من أساء إليه. فيخبر بنبرة تنضح ثقة: "أول مرة دخلت فيها السجن كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولست من الذين يُتقنون الحوار، انني قليل الكلام، لا أجيد الإنتظار، على طريقة "قوصو وطلاع على البيت"، ومن يضربني كمن حفر قبره بيده".

وعن المرّات التي لجأ فيها لإستخدام سلاحه، يجيب: "على اللحم أو الحجر أو في الهواء؟ كلّ حادثة تفرض ردة فعل محدّدة، حتى انني ما عدت أذكر المرّات التي شهرت فيها المسدس". ويضيف: "المؤسف أننا نعيش في ظروف حيث نكون في كل لحظة مهدّدين، لا سيما مع تنامي عدد الزعران وأساليبهم العدائية، لذا يصعب التنقل من دون أي سلاح".

قد يتفهّم بول أو "الآغا"، كما ينادونه في زغرتا، بعض "الحركات"، إلّا أن يسمع بأنّ أحدهم شهر سلاحه في وجه "الآغا"، فيقول: "لا أنتمي لأي طرف سياسي، ولا أقاتل فداء عن أي زعيم، فقد أكّدت لي التجارب أننا كلبنانيين "منقبّع شوكنا بإيدنا"، ما يعني أنّ الأمان ليس "بالجملة" إنما "بالمفرق"، والدليل حضور الدولة في أحياء، وصرف نظرها عن مربّعات".

وعمّا ينتظر في المرحلة المقبلة، يجيب "الآغا": "أنتظر فقط أن تتصاعد رائحة الفوضى أكثر مما هي عليه في المرحلة الراهنة. صحيح أنني لست إلهاً لأحاسب الآخرين، ولكن لي حسابات أخرى أنهيها، خصوصاً وأنني ظُلمت أكثر من مرة".

رأي علم النفس

من جهته ينطلق الإختصاصي في علم النفس العيادي والتوجيه العائلي والجنسي الدكتور نبيل خوري من حاجة المرء للحفاظ على أمنه الذاتي، قائلاً: "هذه الظاهرة ليست بجديدة. تعود ذيولها إلى مرحلة فقدت خلالها الدولة هيبتها وهيمنت الميليشيات المنظّمة. ظاهرة تعود إلى زمن التفلّت الأمني، السرقات والتشبيح، التلطيش، والإعتداء الهمجي، حينها لجأت عيّنة من الناس إلى حماية نفسها بنفسها، كأن تحرس حيّها السكني مداورة".

ويوضح لـ"الجمهورية": "لا شكّ أنّ لهذه المظاهر مفاعيل إيجابية كضبط سيارة مفخّخة، كشف كمين، ضبط مجرمين، الحد من السرقات. فقد نجح إنتشار "القبضايات" لفترة زمنية محدّدة قبل أن تتلاشى عزيمة البعض منهم بالتزامن مع محاولة الدولة إسترجاع جزء من هيبتها".

وفي تحليله لشخصية هذه الفئة من الناس، يقول خوري: "غالباً ما يترعرع هؤلاء في أجواء من التحدّي والمبارزة ضمن العائلة والبيئة الحاضنة، إلى حد يعتقد البعض منهم أنه مستثنى من القانون، فيسعى إلى بسط سلطته وهيبته على الآخرين، وينشغل في تأمين الأمن الذاتي له وللمحيطين به". ويضيف: "لا شك في أنّ البيئة تعلّم المرء حماية نفسه، على طريقة "ما حك جلدك إلا ضفرك".

عقد نفسية... باطنية

ويذهب خوري أبعد من ذلك، مشيراً إلى العقد النفسية الباطنية لدى البعض، قائلاً: "منهم من يكنّ كراهية للدولة ولأجهزتها، نتيجة إشكال فردي وشعوره بالغبن نظراً إلى وجود محسوبيات، فيحاول تجاهل النظام وممارسة العنتريّات، "بيفتح على حسابو"، متجاهلاً وجود القوانين وأي ضوابط أخرى. كما قد يكون لفئة أخرى من هؤلاء عقدة الفوقية، وكأنه الحاكم بأمر الله ويرغب في بسط نفوذه".

ويعتبر خوري أن مستوى السقف الذي يعتمده أي "قبضاي" يؤثّر في سلوكياته والتجاوزات التي يرتكبها، فمنهم من يعتقد بأنّ كلّ ما يعجبه يليق به، ممّا يعزّز لديه روح التمرّد وتدريجاً يُصبح منحرفاً". ويضيف: "كما أنّ البعض يعتمد في الحماية على القوّة البدنية، وهذه بدأت تتلاشى في وقت يغزو السلاح الفردي كل منزل، نظراً إلى إستسهال الوصول إلى السلاح".

أمّا عن الطريقة الأفضل لإستيعاب هذه الفئة من المواطنين، فيجد خوري أنّ "على الدولة بسط كامل نفوذها، وإشعار الأهالي بالأمن من خلال تعزيز دورياتها، وإقامة الحواجز، والعمل قدر المستطاع على معاملة الجميع سواسية، فلا يكون هناك مواطن درجة أولى، وآخر درجة ثانية".

في وقت أثار قرار تخفيض عدد عناصر المواكبة خشية عدد من السياسيين والقضاة خوفاً على أمنهم وسلامتهم، تشتمّ غالبية اللبنانيين رائحة الفوضى، وتترحّم على ليال نام فيها المواطنون وأبوابهم مشرّعة. من هنا يبدو أنّ الحفاظ على الأمن الذاتي بات احترافاً عند "زعماء الأحياء" و"هواية موسمية" عند الدولة.