الصفحة الرئيسية / أخبار صيدا / إنها أزمة وطن وليست أزمة مستشفى ... بقلم فضيلة الشيخ ماهر حمود

إنها أزمة وطن وليست أزمة مستشفى ... بقلم فضيلة الشيخ ماهر حمود
2013-07-29
أرسل الخبر


أرادت جريدة الأخبار من دون شك أن تلفت الانتباه إلى أزمة حقيقية، هي جزء من أزمات لبنان المتلاحقة والمؤلمة والتي يتداخل فيها المحلي مع الإقليمي والدولي، والسياسي مع الطائفي والمذهبي، والمالي مع الفساد والإفساد، والغوص في الدور التاريخي والعريق مع السعي إلى آفاق مستقبلية واسعة، هذا وغيره كثير، وهل يظنون أننا نستطيع أن نلخص أزماتنا بكلمات أو بمقال...؟.

بالتأكيد إنها جزء من مشكلات لبنان وأزماته المتعددة، ولو كان المجتمع اللبناني متماسكا ومتكاملا كما ينبغي لكان هذا الصرح الطبي الكبير مكانا تتقاطع فيه الإرادات الحسنة والنوايا الطيبة ملقية خلفها الانتماء الديني والمذهبي والعرقي والحزبي والخلافات الصغيرة والكبيرة، ليفخر الجميع بمثل هذا الانجاز الذي اثبت مرة أخرى واحدة من الصفات التي يتحلى بها الشعب اللبناني (الإبداع)... عندما نكون في سفر، حيثما حللنا، نرى اللبناني مميزا في مهاراته وإبداعه، هذا إبداع محلي وهو الأحق بالاهتمام والرعاية والاحترام...

لا أحب أن يفهم القارئ الكريم أن اهتمامي بهذا الموضوع هو بسبب القرابة، والجوار أيضا، ولكن لسبب هو أعلى وأسمى، هو التقدير للانجاز البشري الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه"... وهكذا هذا المستشفى هو انجاز "فردي" يذكرك بهذا الحديث الشريف، في كل زاوية من زواياه وبكل حقبة من حياته..

هكذا منذ ذلك الصيف البعيد 1966 وأنا في الثالثة عشر من العمر جلسنا في تلك القاعة الفسيحة التي كانت قبل ثلاث سنوات صالون بيتنا، أي جلسنا في البيت الذي ولدت فيه مع إخوتي جميعا، بيت جدي، الذي بناه باتجاه القبلة، وكان من أوائل البيوت خارج البلد القديمة، كان ذلك في مطلع القرن العشرين وقبيل ولادة أبي الذي ولد في البلد القديمة عام 1911.. من هذا البيت العائلي العريق كانت انطلاقة المستشفى مع طابقين مجاورين شيدا حديثا: لقد خسرنا بإنشاء المستشفى بستانا جميلا كان ملعب طفولتنا ومنطلق أحلامنا، ولكننا ربحنا مشروعا نفخر بأننا ننتمي إليه أو ينتمي إلينا، ذاع صيته في كل مكان.
هذا البيت أصبح من حصة عمي في الميراث الذي كان شغوفا بتعليم أبنائه ينفق على ذلك بسخاء، والذي بدوره وهبه لابنه د. غسان الذي كان يرغب بالبقاء في ألمانيا لولا أن الظروف تهيأت له وجاء ليؤسس مستشفى صغير بين البساتين بعيدا عن مرافق الحياة العامة في المدينة الصغيرة الهادئة والتي يسودها البساطة، بالمعنى المناقض للتعقيد وليس بالمعنى السلبي للكلمة.

وقفت السيدة المميزة (بربارة) زوجته الألمانية أمامنا، نحن الفتيان المنشغلين بوضع أوراق الإعلان عن افتتاح المستشفى في المغلفات لإرسالها إلى الشخصيات باهتمام ومثابرة: قالت: هل ترون هذه المغلفات في منامكم؟... لم يكن احد يتوقع لهذا المستشفى أن يصبح في اقل من عشر سنوات اكبر مستشفى خاص في الجنوب أو في لبنان .. لا ادري، ولكنه طبيب ناجح من دون شك، سريع التشخيص للمرض سريع اتخاذ القرارات، يُشعرك أنه يشعر بكل آلامك ويستخف بما يراه أوهاما، بل يستطيع أن يُذهب أوهامك بلهجته الصارمة ورأيه القاطع طبيا، وغير متكبر أو مدع... لقد ازداد احترامي له عندما كان يتحدث مرة فقال لقد اضطررت لان اجري عمليات هامة لم ادرسها في كليات الطب، وذلك عندما كانت تأتيني حالات خاصة خلال الحرب وتكون طريق بيروت مقطوعة ولا مجال لإرسال المريض إلى أي مكان، فكنت أجهزه للعملية وافتح الكتب وأتعلم ما لم أكن اعلمه، ولطالما نجحت هذه العمليات ولطالما أنقذنا أناسا كان يفترض أن يقضوا نحبهم في ظروف الحرب، علمتنا الحرب ما لم نكن نعلمه، وبالفعل فان أهمية هذا المستشفى كانت تظهر مضاعفة عند الحروب خاصة... ولا شك أن خلفية الدكتور غسان الوطنية المشهور في شبابه بانتمائه إلى حركة القوميين العرب التي انتمى إليها نخبة الشباب في الستينات، كانت خلف اندماجه السريع مع المقاومة الفلسطينية التي أنفقت كثيرا على حاجاتها الطبية الملحة والمتراكمة، كما أنفقت كثيرا في كل المجالات في صيدا، كما في بيروت وغيرهما.

بسرعة وجد الطابقين الرماديين الصغيرين امتدادا أفقيا وعاموديا ونوعيا بسرعة قياسية.. أصبح المستشفى من السبعينات إلى الاجتياح الإسرائيلي مركزا وطنيا قوميا إضافة إلى خدماته الطبية، أصبحت المستشفى شريكة للمقاومة الفلسطينية بكل ما في الكلمة من معنى، وما كان للمقاومة أن تستغني عن خدمات المستشفى ودوره الطبي والوطني خلال عقد كامل من الزمن ونيف، وما كان لأحد ذلك: لقد تم نقل الشهيد معروف سعد إلى هذه المستشفى اثر إصابته مباشرة عام 1975 ثم نقل إلى مستشفى آخر ثم إلى بيروت حتى قضى نحبه رحمه الله... ولا ينسى الصيداويون عندما تحول المستشفى إلى مرجعية أمنية سياسية بامتياز: أبو عمار وأبو أياد وقيادات فلسطينية يجتمعون في المستشفى قبل 15 يوما من الاجتياح لوضع حد للحروب الصغيرة التي أثقلت كاهل صيدا.. وقال أبو عمار وقتها بشكل واضح بعد 15 يوما سترون تغيرا حقيقيا في خريطة الشرق الأوسط وهكذا كان.
ومن دون شك لقد تمت معاملة المستشفى في الاجتياح الإسرائيلي كشريك للمقاومة وليس كمجرد مستشفى، وكانت هذه نقطة ايجابية هامة في حق هذا المستشفى ودوره الوطني المميز.

في فترة أخرى لا تقل أهمية، اثبت الدكتور غسان انه جدير بهذا الصرح وان الصرح جدير به عندما افتتح قسم الجراحة القلبية المتطورة وذلك بعد الانتخابات النيابية الأولى بعد الحرب 1992، حيث لم يوفق الدكتور غسان بالحصول على الأصوات اللازمة للنجاح، فقام وكأنه بهذا الافتتاح التاريخي الذي حضره الشهيد رفيق الحريري رحمه الله أرسل رسالة إلى الجميع بل إلى نفسه، أنا في موقعي الطبيعي حيث أنجزت وحيث أفلحت، الساحة الطبية التي تحتاجني واحتاجها، ها أنا أعود إلى موقعي الطبيعي.. ومن نجاح إلى نجاح إلى المواصفات العالمية (iso) كان هذا المستشفى يشق طريقه نحو النجاح المنقطع النظير، يضاف إلى النجاح الطبي دماثة الدكتور غسان وعلاقاته الواسعة وحسن استقباله لضيوفه... الخ.

ولقد كان الرئيس الحريري قد اعتمده ممثلا سياسيا له ابان الاجتياح وبعد الاندحار الإسرائيلي من صيدا وأكثر الجنوب عام 1985، ولقد كان يشرف على كثير من أعمال ومشاريع الرئيس الحريري السياسية والاجتماعية، وذلك قبل أن يبرز دور الرئيس الحريري سياسيا بسنوات.

كما سكنت السيدة بهية الحريري في احد طوابق المستشفى عندما تم تهجير العائلة من دارتها في ربيع 1985...، كان يعمل بالسياسة بنكهة اجتماعية تنموية ثم لا يلبث أن يعود إلى الطب سالما معافى، كما يفترض، فهي ساحة نجاحه الطبيعية.

نعم ليس لمدينة صيدا أن تفقد هذا الصرح ولا للجنوب ولا للبنان على الجميع أن يعتبروا أن هذا الصرح وأمثاله هو نقطة تقاطع بين الجميع... لقد كان جزءا من كل حدث كبير، صُنف فلسطينيا لفترة، ويحلو للبعض أن يصنفه جنوبيا بامتياز بكل ما تحمل الكلمة من معنى: بالموظفين والأطباء والمرضى والزائرين... ويمكن أن تراه جزءا من إقليم الخروب فترة من الفترات.. أما القوات الدولية فلها حصة وكذلك المقاومة الإسلامية بشكل مباشر وغير مباشر، فكم من مقاوم استشفى في هذا الصرح تم إغفال اسمه لأنه لا يزال ملاحقا من العدو الإسرائيلي، وكم من مقاوم استأنف عمله وهو خارج لتوه من هذا المستشفى... أما شرقي صيدا بأهله المحببين فانه يجد نفسه في المستشفى بكافة مرافقه، يستشفون ويعملون ويشاركون: لقد تخرج الدكتور ميشال موسى من مستشفى حمود نائبا عن الزهراني ولا يزال وفقه الله ... الخ.

من يريد تصنيف هذا المستشفى تصنيفا مذهبيا مخطئ حتما، وكذلك أي تصنيف آخر، هو جزء من المجتمع بكل تنوعه وألوانه، تنعكس عليه المشكلات والانتماءات ولكن دوره ابعد من ذلك بكثير، بل حتى كاستشفاء يطلب كثير من المرضى الطبيب الذي يرغبون به من خلال انتماءاتهم المختلفة، والكل يكمل الكل.

هل كتب علينا في لبنان أن ندفع من انجازاتنا الإنسانية ونجاحاتنا الشخصية ثمن أزمات المنطقة... أزمة مذهبية عاتية تنفق عليها أميركا و "حلفاؤها" بسخاء منقطع النظر وتجند لها عقولا وتفتتح لها قنوات مذهبية بغيضة ينتج عنها حروب ماجنة مدمرة وينبثق عنها أزمات أخرى تنعكس على المؤسسات في لبنان وغيره: المجلس النيابي ، تشكيل الحكومة، الغاز، النفط، الكهرباء، سلسلة الرتب والرواتب، انقسام حاد في كل شيء، مقاومة أو استسلام في كل هذه الأزمات المجتمع يحتاج إلى هذه المستشفى والى أمثالها من الصروح الطبية والإنسانية المميزة، وليس احد معصوما عن الخطأ، يتهمون المستشفى بأنه باهظ ومادي ويكثرون من الحديث في هذا: تعالوا واطلعوا على حسابات المستشفى وما آلت إليه الأمور.

باختصار: ما يترتب على الدولة: وزارة الصحة، الضمان الاجتماعي، الجيش، قوى الأمن وكل الصناديق التعاونية التي للمستشفى عليها ديون متراكمة، مجموع ذلك حوالي 35 مليون دولار، فقط هذا المبلغ المتراكم منذ سنوات كفيل بان يعيد المستشفى إلى مكانه الطبيعي... المال العام الذي يجب أن ينقذ هذا الصرح وأمثاله والذي يجب أن يدعمه ليستمر ويتنامى، هذا المال العام الذي يجب أن يدعم المؤسسات لا أن يعرقلها هو الآن سبب الأزمة، وليس هنالك سبب آخر هذا باختصار هو الأمر، وينبغي هنا أن نشير إلى أن الذين يدفعون فواتير الاستشفاء نقدا لا يشكلون أكثر من 20% من مدخول المستشفى في أعلى تقدير... كيف نقبله ونتجرعه ونرى أزمة هي بنت أعمالنا وفسادنا تنهك مؤسساتنا.. ونحن نتفرج.. أم علينا أن ننتظر النفط والغاز في العام 2018 مثلا أو قبل ذلك أو بعد، هكذا (نختصر) جميعا ونحن ننظر حولنا والمنطقة مشتعلة... الناظر إلينا من بعيد سيستهين بمشاكلنا بالمقارنة مع مشاكل المنطقة، فليس هنالك من متعاطف والكل ينتظر نتائج الصراعات في المنطقة، نحن علينا أن نحل المشاكل دون انتظار احد، فهل من مجيب؟.

تحدثوا عن الوطن عن مشكلات الوطن بكل ما فيه ومن فيه، عند ذلك نفهم جميعا أين الأزمة في هذا المستشفى وفي المستشفى الحكومي في صيدا وفي بيروت وفي النبطية وحلبا وزحلة، بل كل المستشفيات الخاصة والعامة، حتى المستشفيات التي تحمل أسماء رنانة وتختزل خلفها تاريخا عريقا.

إنها أزمة وطن وليست أزمة مستشفى، إنها أزمة وطن عربي وإسلامي وتاريخ مثقل بالهموم، هكذا هي الأمور ومن اجل ذلك نكتب فيها عسى أن نساهم في حل أزماتنا بالوعي أولا ثم بالإرادة والتصميم والعزم.


الشيخ الكبير جد فضيلة الشيخ ماهر حمود
الشيخ احمد أمين حمود وعلى يساره عم الشيخ ، الشيخ محمد أنيس حمود الذي أصبح مفتي صيدا من عام 1961 حتى 1979
وراء الشيخ الكبير محي الدين سليم حمود والد الشيخ ماهر (عمره هنا 19 عاما)، ثم عمه صبحي سليم حمود والد الدكتور غسان حمود

عمر الصورة 25 سنة

الصورة التقطت في العام 1930

عقد قران صبحي سليم حمود في منزل العائلة الذي أصبح الآن مستوصف المستشفى المغلق حاليا